أحمد بن علي القلقشندي
293
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وبه الحجرة الشريفة التي بها قبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأبو بكر وعمر رضي اللَّه عنهما بحجرته الشريفة دائر عليه مقصورة مرتفعة إلى نحو السقف ، عليه ستر من حرير أسود ؛ وخارج المقصورة بين القبر والمنبر الروضة التي أخبر صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنها روضة من رياض الجنة . وقد ذكر أهل الأثر : أن المنبر كان في زمن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثلاث درجات بالمقعد ، وارتفاعه ذراعان وثلاث أصابع ، وعرضه ذراع راجح ، وارتفاع صدره وهو الذي يستند إليه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذراع ، وارتفاع رمّانتيه اللتين كان يمسكهما صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان ، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة ؛ وبقي على ذلك إلى أيام معاوية فكتب إلى مروان عامله على المدينة أن ارفعه عن الأرض فزاد من أسفله ست درجات ورفعه عليها فصار له تسع درجات بالمجلس . قيل : وصار طوله أربعة أذرع وشبرا . ولما حج المهديّ بن المنصور العباسيّ سنة إحدى وستين ومائة ، أراد أن يعيده إلى ما كان عليه فأشار عليه الإمام مالك بتركه خشية التهافت فتركه ؛ ويقال : إن المنبر الذي صنعه معاوية ورفع منبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليه ، تهافت على طول الزمان ، وجدّده بعض خلفاء بني العباس واتخذ من بقايا أعواد منبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أمشاطا للتبرك ، ثم احترق هذا المنبر لما احترق المسجد في مستهلّ رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أيام المستعصم باللَّه ، وشغل المستعصم عن عمارته بقتال التتار ، فعمل المظفّر صاحب اليمن المنبر ، وبعث به إلى المدينة سنة ست وخمسين وستمائة ، فنصب في موضع منبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فبقي إلى سنة ست وستين وستمائة ، فأرسل الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر المنبر الموجود الآن فأزيل ذاك ووضع هذا وطوله أربعة أذرع ، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع تزيد قليلا ، ودرجاته سبع بالمقعد والأمر على ذلك إلى الآن .